كريم نجيب الأغر
127
إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام
ومن السياق نفسه نستنتج أن اللّه تعالى يخلق النطف قبل أن يحين موعد خروجها وتلقيحها بقليل ( أو بكثير ) ، وإلا لما حفظت في مستودع . جاء في تفسير الألوسي « 1 » : . . . والمعنى هنا : قد أتى ، أو هل أتى على جنس الإنسان قبل زمان قريب طائفة محدودة مقدرة كائنة من الزمان الممتد لم يكن شيئا مذكورا بل كان شيئا غير مذكور بالإنسانية أصلا ، أي غير معروف بها على أن النفي راجع إلى القيد ، والمراد أنه معدوم لم يوجد بنفسه ، بل كان الموجود أصله مما لا يسمى إنسانا ، ولا يعرف بعنوان الإنسانية ، وهو مادته البعيدة أعني العناصر ، أو المتوسطة وهي الأغذية ، أو القريبة وهي النطفة المتولدة من الأغذية المخلوقة » . ونود الإشارة هنا إلى أن تلك المفاهيم المنطوية في الآيات الكريمة التي أشرنا إليها في مبحثنا هذا ، ليس من السهل أن يعلمها أحد ولو كان متمرّسا في مجال « تخلّق الجنين » ، فإذا كان هناك نطف فهذا لا يستلزم أنها تخلّقت قبل أن تخرج من الجسد بكثير ، وإذا كان هناك نطف فهذا لا يستلزم أيضا أن تحفظ بمستودع لها « 2 » . فهناك احتمال كبير أن يستطرد العالم في اتجاه مختلف عن الذي أشار إليه المولى عزّ وجلّ ؛ فعلى سبيل المثال قد يظن العالم أن النطف قد تتخلق عند خروج المني من جسم الإنسان . والإشارة إلى وجود مستودع لهذه النطف هي بحد ذاتها عجيبة ، لأن هذا
--> - إنسانا ، وبالتالي فليس شرطا أن نعيد كلمة « مستودع » إلى الإنسان ، فقد تكون الآية تشير إلى أيّ من هذين المعنيين : وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ [ الأنعام : 98 ] لهذه النفس [ في بادئ الخلق ] [ في الرحم ] ومستودع لها [ في المبيض والخصية ] ، أو : وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ لنطفة هذه النفس [ في الرحم ] ومستودع لنطفها [ في الخصية والمبيض ] . ( 1 ) تفسير الألوسي - ( ج 29 / ص 151 ) . ( 2 ) لقد اتفق كثير من علماء تفسير القرآن على أن النطف تحفظ في مستودع ، ولكن أخطأ هؤلاء العلماء في تحديد موقع هذا المستودع : فقد جاء في تفسير ابن كثير ( ج 2 / ص 159 ) - تعليقا على الآية 98 من سورة الأنعام - : « فعن ابن مسعود أو ابن عباس وأبي عبد الرحمن السّلمي وقيس بن أبي حزم ومجاهد وعطاء وإبراهيم النّخعي والضحّاك وقتادة والسّدّي وعطاء الخراساني وغيرهم « فمستقر » أي : في الأرحام قال أكثرهم ومستودع أي : في الأصلاب » ، ولعل فهمهم أن المستودع هو الأصلاب مستمد من الآية فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ ( 5 ) خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ ( 6 ) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ ( 7 ) [ الطارق : 5 - 7 ] ، ولقد ألقى العلم الحديث النور على معنى هذه الآية الكريمة ، فأشار إلى أن الماء الدافق يخرج من بين الصلب والترائب وليس من الصلب والترائب .